عاجل: السعودية تكشف عن مشروع نهر صناعي ضخم من المياه المحلاة سيحول هذه الصحاري الى جنات خضراء

السعودية تكشف عن مشروع نهر صناعي ضخم من المياه المحلاة
  • آخر تحديث

في قلب أرض تعودت منذ قرون على ندرة الماء، وتاريخ طويل من التكيف مع الطبيعة القاسية، بدأت المملكة العربية السعودية كتابة فصل جديد لا يشبه ما سبق، فبدلا من الاستسلام لواقع الجفاف، اختارت أن تصنع واقع جديد، واقع تضخ فيه المياه العذبة عبر أنظمة هندسية عملاقة تشق الصحارى والجبال لتصل إلى المدن والبلدات في الداخل.

السعودية تكشف عن مشروع نهر صناعي ضخم من المياه المحلاة

هذه التدفقات الهائلة التي تنقل من السواحل إلى أعماق المملكة باتت تلقب اليوم بـ“الأنهار الجديدة”، وهي ليست أنهار بالمعنى الطبيعي، لكنها تحمل قيمتها ودورها الحيوي ذاته، بل ربما تتفوق عليه لما تحمله من قدرة على بناء مستقبل مائي مستدام رغم قسوة البيئة.

هذه الشبكة الضخمة لا تمثل مجرد مشروع هندسي عابر، بل تعد علامة فارقة في مسيرة التحول الوطني، إذ غيرت المملكة عبرها من شكل الجغرافيا المائية ووضعت نفسها في طليعة دول العالم الأكثر قدرة على إنتاج وتوزيع المياه المحلاة، في وقت تتصاعد فيه تحديات المياه على مستوى العالم.

من بدايات بسيطة إلى مشروع وطني ضخم

لم تبدأ الحكاية من منشآت عملاقة، بل من خطوات متواضعة قبل أكثر من مئة عام عندما أنشئت أول وحدة تكثيف في جدة لتوفير الماء العذب للسكان والحجاج.

ومع مرور العقود، أخذت الدولة في تطوير هذه الجهود، فصدرت أوامر بتركيب وحدات أكبر وأكثر قدرة، قبل أن تتطور الفكرة إلى استراتيجية وطنية شاملة تهدف لتأمين المياه في واحدة من أشد المناطق جفاف في العالم.

شبكات عملاقة تمتد عبر المملكة

بمرور الزمن توسعت المشاريع حتى وصلت المملكة العربية السعودية إلى ما هو عليه اليوم: أكبر شبكة توزيع مياه محلاة في العالم، شبكة تسجل أرقام غير مسبوقة وتمتد آلاف الكيلومترات من الأنابيب التي يمكن لو صفت متصلة أن تقطع قارات كاملة.

وتعمل هذه الشبكات على نقل المياه المحلاة إلى المدن والقرى والمجتمعات البعيدة، مما جعل توفر الماء عنصر أساسي في دعم التنمية والنمو في مختلف المناطق.

إنتاج يومي يفوق 11 مليون متر مكعب

تنتج المملكة العربية السعودية اليوم أكثر من 11 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميا، وهي كمية هائلة تدار بين هيئة المياه وشركاء من القطاع الخاص.

ومن أبرز ركائز هذا الإنتاج محطة رأس الخير، التي تعد أكبر محطة تحلية في العالم، بطاقة تتجاوز المليون متر مكعب يوميا، إلى جانب إنتاج الكهرباء عبر منظومة متطورة تسهم في خفض الانبعاثات وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة.

تقدم تقني وتوطين للصناعة

ولم تكتف المملكة بإنتاج المياه فحسب، بل اتجهت نحو توطين تقنيات التحلية من خلال إنشاء أول مصنع محلي لإنتاج أغشية التناضح العكسي، وهو مشروع سيحدث نقلة كبيرة في تقليل تكاليف التشغيل ورفع كفاءة الإنتاج عندما يبدأ عمله خلال العام القادم.

تحول بيئي يقلل الانبعاثات

اعتماد المملكة المتزايد على تقنيات التحلية قليلة الاستهلاك للطاقة، واستثمارها في إنشاء محطات تعمل بالطاقة المتجددة مثل محطة الخفجي، أدى إلى تقليل انبعاثات الكربون بنسب كبيرة تجاوزت عشرات الملايين من الأطنان سنويا، هذا التحول يعكس التزام واضح بجعل مشاريع المياه جزء من مسار التنمية المستدامة.

استراتيجية متكاملة ضمن رؤية 2030

تأتي كل هذه الخطوات في إطار رؤية السعودية 2030 التي جعلت أمن المياه وتطوير البنية التحتية من أولوياتها.

وتشمل هذه الرؤية وضع خطط لضمان توفير المياه في الظروف الطارئة، وإدارة الطلب بشكل مستدام، والحفاظ على النظم البيئية، وتشجيع القطاع الخاص على تطوير ابتكارات جديدة تدعم استدامة الموارد المائية.

مكانة عالمية متقدمة

ونتيجة لهذا التقدم، اكتسبت المملكة اعتراف عالمي متزايد بدورها الريادي، حيث تم اختيارها لاستضافة مؤتمر عالمي متخصص في تحلية المياه وإعادة استخدامها، وهو ما يعزز حضورها كدولة محورية في مستقبل إدارة المياه في العالم.

نظرة نحو المستقبل

تعتمد حياة أكثر من خمسة وثلاثين مليون نسمة اليوم على هذه الشبكات الضخمة، ومع توقع ارتفاع عدد السكان في السنوات المقبلة، تتحول هذه المشروعات المائية إلى ثروة وطنية استراتيجية لا تقل أهميتها عن أي مورد طبيعي آخر.

ما بدأ بمنشأة بسيطة مطلع القرن الماضي أصبح اليوم منظومة عملاقة تتحدى التضاريس والظروف المناخية، وتعيد تشكيل الواقع المائي للمملكة بأسلوب غير مسبوق.

ومع استمرار العمل على “الأنهار الجديدة” التي صنعتها هندسة الإنسان، تواصل المملكة بناء مستقبل مائي آمن، وتقدم نموذج عالمي في كيفية تحويل التحديات الطبيعية إلى فرص تنموية كبرى.