مرت 28 عام على الإنجاز التاريخي الذي حققه النصر عندما توج بلقب كأس السوبر الآسيوية، البطولة التي فتحت أمامه أبواب المشاركة في كأس العالم للأندية 2000، إلا أن الرجل الذي قاد العالمي نحو ذلك المجد يعيش اليوم ظروف إنسانية صعبة بعيدًا عن الأضواء، بعدما أصبح يعاني من مرضي الزهايمر وباركنسون، في مشهد مؤلم لمدرب ارتبط اسمه بواحدة من أعظم اللحظات في تاريخ النادي السعودي.
جوزيه دوترا الرجل الذي كتب التاريخ مع النصر ثم اختفى عن المشهد
ويبقى اسم المدرب البرازيلي جوزيه دوترا دوس سانتوس محفور في ذاكرة جماهير النصر، بعدما نجح خلال فترة قصيرة للغاية في قيادة الفريق نحو أول لقب آسيوي كبير في تاريخه، رغم أن تجربته مع النادي لم تتجاوز خمسة أشهر فقط.
وعرف المدرب البرازيلي داخل السعودية باسم “دي سانتوس”، حيث جاء إلى الرياض في عام 1998 وسط حالة من الترقب، خلف للمدرب الفرنسي الشهير جان فرنانديز، ليبدأ رحلة قصيرة زمنيا لكنها استثنائية من حيث التأثير والنتائج.
كيف قاد دوترا النصر إلى المجد الآسيوي؟
وخلال تلك الفترة، قاد دوترا النصر في مواجهتين تاريخيتين أمام فريق بوهانغ ستيلرز الكوري الجنوبي ضمن بطولة كأس السوبر الآسيوية.
ونجح النصر في تحقيق نتيجة إيجابية خارج أرضه بعدما تعادل بهدف سجله النجم السعودي فهد الهريفي، قبل أن يحافظ الفريق على شباكه نظيفة في لقاء الإياب بالرياض، لينتزع اللقب القاري وسط احتفالات تاريخية لجماهير العالمي.
وكان ذلك الإنجاز سبب مباشر في تأهل النصر إلى كأس العالم للأندية عام 2000، ليصبح أحد أوائل الأندية الآسيوية التي تشارك في البطولة العالمية بنظامها الحديث آنذاك.
لاعب برازيلي تحول إلى “ملك الصعود”
ولد جوزيه دوترا عام 1948 في البرازيل، وبدأ مسيرته كلاعب في مركز الدفاع، حيث لعب لعدة أندية بارزة أبرزها فاسكو دا غاما وفيتوريا.
كما مثل منتخب البرازيل في دورة الألعاب الأولمبية بمدينة مكسيكو سيتي عام 1968، قبل أن يقرر الاتجاه سريعا إلى عالم التدريب عقب اعتزاله كرة القدم.
واشتهر دوترا داخل البرازيل بلقب “ملك الصعود”، بسبب تخصصه في تدريب الأندية الصغيرة ومساعدتها على الصعود أو الهروب من الهبوط، حيث كان يتنقل باستمرار بين الفرق المختلفة باحث عن تحديات جديدة.
تجربة تونس فتحت له أبواب العالم العربي
وقبل وصوله إلى السعودية، خاض المدرب البرازيلي تجربة مهمة في تونس مع النجم الساحلي، حيث أمضى ثلاثة أعوام ترك خلالها بصمة واضحة.
وخلال فترة إقامة كأس العالم 1998، وصل دوترا إلى الرياض لتولي قيادة النصر، وأطلق تصريح شهير فور وصوله إلى مطار الملك خالد الدولي، حين أكد أنه جاء لتحقيق بطولة كأس السوبر الآسيوية مع الأصفر العاصمي.
أسلوب دفاعي أثار الجدل داخل النصر
ورغم أن الجماهير السعودية كانت معتادة على المدرسة البرازيلية الهجومية، فإن دوترا خالف التوقعات تماما، واعتمد على أسلوب دفاعي صارم أثار الكثير من الجدل داخل الأوساط النصراوية.
وظهر النصر بصورة متواضعة في بعض مباريات الدوري وكأس الأمير فيصل بن فهد، ما تسبب في انتقادات جماهيرية واسعة للمدرب البرازيلي، خاصة مع تراجع النتائج المحلية.
لكن دوترا كان يؤمن بأن التنظيم الدفاعي هو الطريق الأقصر لتحقيق البطولات، وهو ما أكده بنفسه لاحقا عندما أشار إلى أن التزامه التكتيكي الدفاعي كان العامل الأساسي وراء تحقيق الكأس الآسيوية.
شخصية حادة وخلافات متكررة مع اللاعبين
ولم تكن شخصية دوترا هادئة داخل غرفة الملابس، إذ اشتهر بتصريحاته الحادة وانتقاداته العلنية للاعبين بعد المباريات، ما تسبب في دخوله بعدة خلافات مع بعض نجوم الفريق خلال تلك الفترة.
ومع استمرار تراجع النتائج المحلية، قررت إدارة النصر إقالته قبل منتصف الموسم، رغم أنه كان قد منح النادي أهم لقب قاري في تاريخه آنذاك.
محطات عربية قصيرة بعد الرحيل عن النصر
وبعد مغادرته السعودية، عاد دوترا إلى ولاية بارا شمال البرازيل، حيث واصل تدريب الأندية الصغيرة التي اعتاد العمل معها طوال مسيرته.
كما عاد لاحقا إلى المنطقة العربية عبر عدة تجارب تدريبية، حيث قاد الهلال السوداني، والوداد الرياضي، بالإضافة إلى شباب قسنطينة، إلا أن تلك المحطات لم تشهد نجاحات كبيرة، وكانت قصيرة نسبيا مقارنة بتجربته الشهيرة مع النصر.
من بطل آسيوي إلى صراع قاسٍ مع الزهايمر وباركنسون
ومع مرور السنوات، اختفى اسم دوترا تدريجيًا عن المشهد الرياضي، قبل أن تعود قصته إلى الواجهة بسبب معاناته الصحية المؤلمة.
فالمدرب الذي صنع مجد آسيوي للنصر، لم يعد اليوم قادر على تذكر تفاصيل رحلته الكروية أو حتى الإنجاز الذي حققه في القارة الآسيوية، بعدما أصيب بمرضي الزهايمر ومرض باركنسون.
وتعيش عائلته لحظات صعبة بشكل متكرر، إذ ذكرت تقارير محلية في البرازيل أنه كثير ما يغادر منزله في مدينة بيليم دون أن يعرف طريق العودة، ما اضطر حفيدته في أكثر من مناسبة إلى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لمطالبة السكان بالمساعدة في العثور عليه.
حادثة كادت تنهي حياته
وقبل ثلاثة أعوام، تعرض دوترا لحادث خطير بعدما غادر منزله وسقط على رأسه في الشارع، في واقعة كادت أن تنهي حياته، لولا تدخل أحد المارة الذي تمكن من إنقاذه ونقله لتلقي الرعاية الطبية في الوقت المناسب.
وتحولت قصة المدرب البرازيلي إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثير داخل الوسط الرياضي، خاصة بين جماهير النصر التي لا تزال تتذكر الرجل الذي منح العالمي واحدة من أعظم لياليه القارية.
جماهير النصر لا تنسى بطلها القديم
ورغم مرور ما يقارب ثلاثة عقود على ذلك الإنجاز، فإن اسم جوزيه دوترا لا يزال حاضرًا في ذاكرة عشاق النصر، باعتباره المدرب الذي قاد الفريق إلى منصة التتويج الآسيوية لأول مرة.
ويستعيد النصراويون ذكريات تلك المرحلة كلما اقترب النادي من المنافسة على البطولات القارية، بينما تبقى قصة دوترا تذكير مؤثر بأن كرة القدم لا تحفظ دائما أبطالها، حتى أولئك الذين صنعوا أمجاد خالدة في ذاكرة الجماهير.





