يعيش نادي الهلال السعودي حالة من الجدل الفني داخل أوساطه الجماهيرية والإدارية، حول مستقبل المدير الفني الإيطالي سيموني إنزاجي، وذلك في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى نجاحه في فرض أسلوبه التكتيكي القائم على الانضباط الدفاعي، وقدرته على قيادة الفريق في موسم أول اتسم بالتناقضات بين النتائج الإيجابية والإخفاقات المؤثرة، ويتمحور النقاش داخل البيت الهلالي حول سؤال محوري بات يفرض نفسه بقوة: هل يستحق إنزاجي الاستمرار على رأس الجهاز الفني للزعيم، أم أن المرحلة المقبلة تتطلب تغيير جذري في القيادة الفنية من أجل إعادة صياغة مشروع الفريق؟
حصاد موسم إنزاجي مع الهلال أرقام قوية ونتائج غير مكتملة
عند تحليل الموسم الأول للمدرب الإيطالي سيموني إنزاجي مع الهلال، يمكن ملاحظة صورة متباينة تجمع بين القوة في الأداء الرقمي من جهة، والإخفاق في حسم بعض البطولات من جهة أخرى، وهو ما جعل تقييم تجربته محل نقاش واسع.
فعلى الرغم من أن الهلال لم يتعرض لأي خسارة في مختلف المسابقات التي شارك فيها خلال الموسم، إلا أن الفريق فشل في التتويج بلقب دوري روشن السعودي، بعدما خسر الصراع على اللقب في الجولة الأخيرة لصالح الغريم التقليدي النصر، في سيناريو درامي أثار الكثير من الجدل.
كما ودع الفريق بطولة دوري أبطال آسيا للنخبة من دور الـ16، بعد مواجهة قوية أمام السد القطري انتهت بالتعادل بثلاثة أهداف لكل فريق، قبل أن يحسمها الفريق القطري بركلات الترجيح، في واحدة من أكثر اللحظات إحباط لجماهير الهلال هذا الموسم.
أبرز إنجازات الموسم الأول لإنزاجي
ورغم الإخفاقات في بعض المحطات المهمة، فإن موسم إنزاجي الأول لم يخلو من نقاط مضيئة لافتة، يمكن تلخيصها في عدد من الإنجازات البارزة:
- الوصول إلى ربع نهائي كأس العالم للأندية بنظامها الموسع الجديد، في إنجاز يعكس حضور الهلال على الساحة العالمية.
- التتويج بلقب كأس خادم الحرمين الشريفين، كأحد أهم البطولات المحلية.
- تسجيل الهلال كأحد أقوى الفرق هجومي ودفاعي في دوري روشن، حيث أحرز الفريق 85 هدفًا واستقبل 27 هدف فقط.
ورغم هذه الأرقام الإيجابية، إلا أن حجم التوقعات المرتفع داخل النادي، خصوصا بعد دعم الفريق بعدد كبير من الصفقات، جعل سقف الطموحات أعلى بكثير من تحقيق بطولة واحدة فقط خلال الموسم.
جدل الصفقات وتأثيرها على تقييم إنزاجي
دخل الهلال الموسم الماضي كأحد أكثر الأندية نشاط في سوق الانتقالات، خصوصا خلال فترة الميركاتو الشتوي، حيث أبرم النادي 7 صفقات دفعة واحدة، شملت أسماء ذات قيمة فنية كبيرة، في مقدمتها النجم الفرنسي كريم بنزيما.
وبناءً على حجم الإنفاق والتعاقدات، كانت التوقعات تشير إلى قدرة الفريق على الهيمنة محليًا وقاريًا، إلا أن الواقع الفني قدم صورة مختلفة، ما أدى إلى تراجع تقييم تجربة إنزاجي لدى بعض المتابعين، رغم المؤشرات الإيجابية في الأداء العام.
مستقبل غامض بين عقد ممتد وشرط جزائي انتهى
يمتد عقد سيموني إنزاجي مع الهلال حتى صيف عام 2027، وكان يتضمن بند خاص يتيح إنهاء التعاقد في الموسم الأول مقابل شرط جزائي بلغت قيمته 35 مليون يورو، إلا أن هذا البند انتهى مع نهاية الموسم الأول، هذا التطور فتح الباب أمام سيناريوهين رئيسيين:
- استمرار المدرب مع الفريق للموسم الثاني ضمن مشروع الاستقرار.
- أو الاتجاه نحو إقالة فنية إذا رأت الإدارة ضرورة التغيير.
ويزيد من تعقيد المشهد وجود اختلافات داخلية في وجهات النظر، بين من يرى ضرورة منح المدرب الوقت الكامل، ومن يعتقد أن الفريق بحاجة إلى هوية فنية مختلفة.
مشروع الهلال المستقبلي بين الاستقرار وإعادة البناء
في المقابل، تشير بعض المؤشرات إلى أن إدارة الهلال بدأت تميل بشكل أكبر نحو تنظيم هيكل المشروع الرياضي بشكل أكثر احترافية، عبر التعاقد مع مدير رياضي جديد، بهدف تقليل العشوائية في سوق الانتقالات، وربط الصفقات بالاحتياجات الفنية الفعلية للفريق.
هذا التوجه قد يمنح إنزاجي فرصة إضافية للاستمرار، ولكن وفق رؤية أكثر وضوح وانضباط في بناء الفريق خلال المرحلة المقبلة.
من هم الرابحون من بقاء إنزاجي؟
في حال استمرار المدرب الإيطالي مع الهلال، فإن بعض اللاعبين قد يكونون من أبرز المستفيدين من استقرار المنظومة الفنية، خاصة أولئك الذين تألقوا تحت أسلوبه التكتيكي.
- سلطان مندش ورقة هجومية حاسمة
- يعد سلطان مندش أحد أبرز المكاسب الفنية في الميركاتو الشتوي، حيث تحول إلى عنصر مؤثر رغم اعتماده كلاعب بديل في أغلب المباريات، لكنه قدم أرقام مميزة بلغت 4 أهداف و3 تمريرات حاسمة خلال 20 مباراة، مما يجعله خيار مهم للمستقبل.
- خاليدو كوليبالي عودة الصخرة الدفاعية
- شهد أداء المدافع السنغالي خاليدو كوليبالي تحول واضح مع إنزاجي، بعدما أصبح عنصر أساسي في الخط الخلفي، بل وشارك في تسجيل أهداف مؤثرة، إضافة إلى اعتراف المدرب بأهميته الكبيرة، خاصة عند غيابه للإصابة وتأثير ذلك على توازن الفريق.
- محمد كنو إعادة اكتشاف الدور
- استطاع محمد كنو استعادة بريقه تحت قيادة إنزاجي، مستفيد من تغيير الأدوار في خط الوسط، ليصبح أكثر تأثير في التحكم بإيقاع اللعب، مع استغلال مهاراته في التسديد والكرات الهوائية، مما جعله أحد أبرز عناصر الوسط في الموسم.
الخاسرون من بقاء إنزاجي
في المقابل، قد لا يكون استمرار المدرب الإيطالي إيجابيا لبعض الأسماء داخل الفريق، نظرا لاعتماده على أسلوب تكتيكي يميل إلى التنظيم الدفاعي والتحولات السريعة، وهو ما قد يقلل من أدوار بعض النجوم.
- سالم الدوسري تراجع الدور الهجومي
- يعاني قائد الهلال سالم الدوسري من تذبذب في الأدوار داخل المنظومة الحالية، خاصة مع اختلاف الأدوار التكتيكية وتداخل المهام في الخط الأمامي، مما أثر على استقراره الفني.
- كريم بنزيما حيرة داخل المنظومة
- رغم قيمته الكبيرة، إلا أن النجم الفرنسي كريم بنزيما لم يظهر بالشكل المنتظر في بعض المباريات، حيث واجه صعوبة في التكيف مع أسلوب اللعب الجماعي والضغط التكتيكي، مما قلل من تأثيره الهجومي.
- مالكوم وليوناردو تأثير محدود
- يعد مالكوم وليوناردو من أبرز المتأثرين بالمنظومة الحالية، حيث تراجع تأثيرهما الهجومي نتيجة الأدوار الدفاعية المتزايدة، والاعتماد على التحولات بدل الاستحواذ الهجومي المستمر.
- مراد هوساوي تراجع المشاركة
- انتقل مراد هوساوي من نجم بارز في فريقه السابق إلى لاعب أقل مشاركة مع الهلال، ما أثر على مستواه وفرصه الدولية، في ظل المنافسة الشرسة داخل وسط الملعب.
هل يستمر إنزاجي أم ينتهي المشروع مبكرا؟
يبدو أن مستقبل سيموني إنزاجي مع الهلال يقف عند مفترق طرق حاسم، بين خيارين لا ثالث لهما: إما منح المدرب فرصة كاملة لبناء مشروعه الفني على المدى المتوسط، أو اتخاذ قرار بالتغيير بحث عن هوية أكثر هجومية ووضوح في الأداء.
وبين هذا وذاك، يبقى نموذج الاستقرار الفني هو الخيار الذي يراهن عليه البعض، مستشهدين بتجارب أوروبية ناجحة مثل تجربة آرسنال مع ميكيل أرتيتا، حيث أثبت الوقت أن بناء مشروع مستقر يحتاج إلى صبر طويل قبل الوصول إلى منصات التتويج.
وفي النهاية، يظل السؤال مفتوح أمام الجماهير الهلالية: هل يستمر إنزاجي ليكمل مشروعه مع الزعيم، أم تكون هذه نهاية مبكرة لتجربة لم تكتمل ملامحها بعد؟
