في مشهد يختزل قصة نجاح نادرة في كرة القدم السعودية، أعلن المدرب البرتغالي المخضرم جورخي جيسوس رحيله الرسمي عن نادي النصر السعودي، وذلك عقب تحقيق الفريق لقب دوري روشن السعودي للمحترفين في موسم مثير ومتقلب، جاء التتويج فيه تتويجاً لرحلة مليئة بالتحديات والقرارات الصعبة والضغوط المتراكمة، وفاءً بوعد قطعه المدرب لنجم الفريق كريستيانو رونالدو منذ اللحظة الأولى لانطلاق هذه المغامرة المشتركة، وأكد جيسوس في تصريحات تلفزيونية لافتة أجراها مباشرة بعد حفل التتويج أن قراره بالمغادرة كان محسوم ومخطط له منذ البداية، إذ وقع على عقد لموسم واحد فقط رافض الامتداد لعامين كما أراد المسؤولون في النادي، وهو نهجه المعتاد مع كل الأندية التي يتولى تدريبها، مؤكد أن الموسم المنصرم كان من أشد المواسم وطأةً وإرهاقاً على المستوى النفسي والبدني معا.
وعد المدرب لكريستيانو "سأجعلك بطل ثم أمضي في طريقي"
شكلت العلاقة بين جورخي جيسوس وكريستيانو رونالدو المحور الأكثر إثارة وعمق في هذه الحكاية الكروية، إذ كشف المدرب أن قبوله لهذا التحدي لم يكن إلا بسبب إلحاح رونالدو ومدير الفريق نيلسون سيميدو الشخصي، وأنه كان يدرك تماما أن المهمة ستكون أصعب تحدي يواجهه في مسيرته التدريبية الطويلة، غير أن إيمانه بقدرات فريقه وإصراره على بناء منظومة متماسكة جعلاه يقدم على هذه المجازفة بكل ثقة.
وروى جيسوس بأسلوب مؤثر تفاصيل الاتفاق الضمني الذي جمعه بـ"CR7": "قلت لكريستيانو منذ البداية: لن أقبل هذا المشروع إلا من أجلك، وسنفوز معا، وستغادر هذا المكان حامل لقب، وهذا بالضبط ما حدث"، وهي عبارات تعكس مستوى الثقة المتبادلة والمسؤولية الكبيرة التي تحمّلها المدرب البرتغالي تجاه أعظم مهاجم في تاريخ كرة القدم.
أما دموع رونالدو بعد التتويج، فلم تكن مفاجأة لخيسوس الذي وصف نجمه بأنه "يملك شغف استثنائي بكرة القدم يفوق ما يمكن تخيله"، مشير إلى أن الوقت لم يتسعهما بعد المباراة لتبادل الحديث بسبب الإجهاد الشديد، غير أنه أكد أن هذه التجربة المشتركة ستبقى محفورة في ذاكرتهما معا.
جيسوس والمستقبل
فتح جيسوس النار على الخيارات المطروحة أمامه بكل صراحة وجرأة، معلن بشكل قاطع أن لا نادي أوروبي قادر على استقطابه ماليا في المرحلة الراهنة، وذلك في ظل الفوارق الهائلة في الرواتب بين الدوريات الخليجية والأوروبية، إذ أشار إلى أنه يتقاضى في شهر واحد في السعودية ما يعادل دخله السنوي الكامل في أي نادي أوروبي، وهو اعتراف صريح يعكس المشهد الكروي الجديد الذي رسّخته الاستثمارات الخليجية.
وكشف المدرب البرتغالي أن تركيا تمثل الخيار الأكثر ترجيح ووضوح في أفق مساره المهني القادم، ملمح بوضوح إلى إمكانية العودة إلى فنربخشة، النادي الذي خاض معه تجربة من قبل ووصفها بأنها "قصة لم تنتهي بعد".
وأضاف في هذا الصدد: "يمكن لجماهير فنربخشة أن تحلم، نعم يمكنها ذلك، وكان هناك اهتمام حقيقي بالفعل".
بيد أن الأمر لا يقتصر على فنربخشة وحده، إذ كشف جيسوس عن تلقيه عروض من ناديين تركيين من بين الثلاثة الكبار، مصرح: "من بين فنربخشة وغلطة سراي وبشكتاش، تواصل اثنان معي، والنادي الثاني لا يزال سر لم يُكشف بعد"، وهو تصريح يثير موجة من التوقعات والتكهنات في الأوساط الكروية التركية.
البرازيل وبنفيكا
في سياق حديثه الشامل والكاشف، أسقط جيسوس أيضا خيار العودة إلى البرازيل بشكل حاسم، مقرا بأن الملاعب البرازيلية لن تستقطبه مجددا إلا في حالتين استثنائيتين فقط: إما فلامنغو ذلك النادي الذي حقق معه أمجاد لا تنسى، أو منتخب البرازيل الوطني الذي سبق أن رفض تدريبه في يناير الماضي إيثار للوفاء للهلال وطموحه في كأس العالم للأندية ودوري أبطال آسيا، وهما الطموحان اللذان لم يتحققا في نهاية المطاف.
أما فيما يخص بنفيكا النادي الذي يحتفظ له بمكانة عاطفية وتاريخية خاصة، فقد كان جيسوس قاطع في استبعاد العودة إليه بصرف النظر عن الظروف والمعطيات، معلل ذلك بالفجوة المالية الشاسعة مرة أخرى، مع الاعتراف بمرارة خفية تكشف عن جرح قديم لم يندمل تماما: "الأمر الذي يؤلمني هو أنني فزت بألقاب كثيرة مع بنفيكا، لكن جماهيره لم تهتف باسمي قط، بينما في تركيا والبرازيل والسعودية كانوا يرددون اسمي في كل مكان".
ورغم هذا الألم الواضح، أبدى جيسوس فخر حقيقي بإرثه في بنفيكا، مذكر بأنه أكثر مدرب في تاريخ النادي تحقيقاً للألقاب، لكنه أضاف بحسم: "العودة الآن خارج الحسابات كليا ونهائيا".
التعليق على غوارديولا
في مشهد يختزل شخصية جيسوس المتميزة بالجرأة والثقة الكاملة بالنفس، جاء رده على سؤال حول إمكانية خلافة بيب غوارديولا له على رأس تدريب النصر ليعبر بوضوح عن منظومته القيمية: "هل أشعر بالفخر؟ لا، لماذا؟ هو من يجب أن يشعر بالفخر لأنه سيأتي لخلافتي، وليس العكس".
وهي جملة لافتة تعكس مدى تقدير الرجل لمسيرته ومُنجزاته، وثقته التامة في مكانته بين كبار المدربين على المستوى العالمي.
يونيو موعد الحسم وإعلان المرحلة الجديدة
أنهى جورخي جيسوس تصريحاته بالإشارة إلى أن شهر يونيو القادم سيكون موعد الحسم الكامل واتخاذ القرار النهائي بشأن محطته التدريبية المقبلة، معلن أنه سيتوجه إلى البرتغال للراحة واستعادة الطاقة، قبل أن يصدر بيان بقراره في الرابع والعشرين من الشهر ذاته.
وخلص المدرب البرتغالي إلى تأكيد أنه لا يزال يمتلك كامل قدراته الذهنية والبدنية وأن شغفه بكرة القدم لم يخبو لحظة، مشير إلى أنه معتاد على أن تتراكم العروض في نهاية كل مشروع يتمه، وهو ما يحدث الآن بالفعل مع تعدد الأندية الراغبة في خدماته.
وهكذا يغلق جيسوس فصل سعودي مشرف، ليقلب صفحات مستقبل كروي يبدو واعد ومثير للاهتمام في آن معا.
