حصري .. سر لا يعرفه الكثير عن مشروع برج جدة وكيف سينهي أسطورة برج خليفة للأبد

سر لا يعرفه الكثير عن مشروع برج جدة وكيف سينهي أسطورة برج خليفة للأبد
  • آخر تحديث

لطالما ارتبطت ناطحات السحاب العملاقة بفكرة التحدي وكسر الحدود، فهي ليست مجرد مباني شاهقة، بل رسائل واضحة عن الطموح والقوة والقدرة على تحويل الخيال إلى واقع ملموس، وخلال العقود الماضية، أصبحت الأبراج الأعلى في العالم رموز عالمية تعكس مكانة الدول والمدن على خريطة الاقتصاد والحداثة.

سر لا يعرفه الكثير عن مشروع برج جدة وكيف سينهي أسطورة برج خليفة للأبد

واليوم، تعود المملكة العربية السعودية لتطرح نفسها بقوة في هذا السباق، ليس من أجل المشاركة فقط، بل بهدف إعادة رسم ملامحه من جديد عبر مشروع يحمل أبعاد تتجاوز البناء ذاته.

برج جدة مشروع يعود بعد سنوات من التوقف

على الساحل الغربي للبحر الأحمر، شمال مدينة جدة، يقف موقع برج جدة، المعروف سابقا باسم برج المملكة، كأحد أكثر المشاريع الطموحة في تاريخ المنطقة.

تم الإعلان عن هذا البرج قبل أكثر من عشر سنوات، وبدأت أعماله بوتيرة متسارعة في بدايته، حيث جرى تنفيذ الأساسات العميقة وارتفع الهيكل الخرساني إلى أكثر من 250 متر.

لكن المشروع دخل لاحقا في مرحلة توقف طويلة، نتيجة تداخل عدة عوامل، من تغيرات سياسية وتحديات تمويلية إلى تداعيات الجائحة العالمية، وخلال تلك السنوات، ظل الموقع شاهد على طموح لم يكتمل بعد، وأثار تساؤلات عديدة حول مستقبله.

مؤشرات جديدة على استئناف البناء

خلال الفترة الأخيرة، بدأت تتردد تقارير إعلامية ومعلومات من مصادر متخصصة في قطاع البناء تشير إلى عودة النشاط في المشروع.

وتشمل هذه المؤشرات طرح عطاءات جديدة، واهتمام متجدد من شركات مقاولات كبرى، إلى جانب إعادة تفعيل التصاميم الهندسية وتحديثها بما يتناسب مع التطورات الحديثة.

وتقدر التكلفة المباشرة لبناء البرج بنحو 1.2 مليار دولار، ضمن مشروع تطوير ساحلي متكامل تتجاوز استثماراته 20 مليار دولار، ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه المملكة على هذا المشروع.

لماذا برج بارتفاع كيلومتر كامل؟

قد يبدو بناء برج بارتفاع ألف متر سؤال مفتوح أكثر منه إجابة واضحة، لكن الدوافع متعددة، على المستوى الرمزي، يمثل الارتفاع القياسي وسيلة قوية لجذب الانتباه العالمي، وتحويل المدينة إلى نقطة تركيز سياحية واقتصادية. فالبرج الشاهق يصبح معلما بصريا لا يمكن تجاهله، ورسالة عن الثقة والقدرة التقنية.

أما على المستوى الاستراتيجي، فإن المملكة تسعى ضمن خططها الاقتصادية إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وأصبحت المشاريع العمرانية الكبرى جزء من هذه الرسالة.

وكما تعكس مشاريع البنية التحتية الضخمة الطموح الصناعي، يعكس البرج العملاق الطموح الحضري والتقني.

ولا يمكن إغفال الجانب التنافسي، حيث حققت مدن أخرى مكاسب كبيرة من خلال الأبراج القياسية، سواء على مستوى السياحة أو الاستثمار أو الصورة الذهنية العالمية.

التحديات الهندسية عند حدود الممكن

عندما يتجاوز ارتفاع المباني 500 متر، تتغير قواعد الهندسة التقليدية. فالرياح تصبح التحدي الأكبر بدلًا من الوزن، وحركة المبنى نفسها تدخل في حسابات التصميم.

يعتمد تصميم برج جدة على شكل متدرج يشبه الإبرة، بهدف تقليل مقاومة الرياح وتأثيرها على الهيكل، كما تستند القاعدة إلى ركائز عميقة جدا لتثبيت البرج في التربة، بينما يوفر القلب الخرساني المدعم الاستقرار اللازم لهذا الارتفاع الاستثنائي.

أما المصاعد، فهي تمثل تحدي قائم بذاته، إذ لا يمكن الاعتماد على نظام تقليدي من الأرض إلى القمة. ولهذا جرى تصميم البرج وفق نظام مناطق عمودية متعددة، تتضمن محطات انتقالية على ارتفاعات كبيرة، تسمح بتغيير المصاعد ومواصلة الصعود بكفاءة.

ويضاف إلى ذلك تعقيد أنظمة التبريد والطاقة والمياه وإدارة النفايات، خصوصا في مناخ البحر الأحمر، ما يتطلب حلول تقنية متقدمة تعتمد على العزل الحراري والزجاج عالي الأداء وأنظمة التحكم الذكي.

هل هو مبنى عملي أم رمز بصري؟

يرى البعض أن برج بارتفاع كيلومتر لا يمثل الحل الأمثل من حيث الكفاءة أو الاستخدام اليومي، نظرا لارتفاع تكاليف البناء والصيانة، واعتماد بعض طوابقه العليا على أغراض رمزية أو تسويقية.

في المقابل، يؤكد المؤيدون أن القيمة الحقيقية تكمن في الابتكار. فالتقنيات التي يتم تطويرها في مثل هذه المشاريع المتطرفة غالبا ما تجد طريقها لاحقا إلى المباني العادية، سواء في أنظمة المصاعد أو كفاءة الطاقة أو المواد المستخدمة، وبهذا المعنى، يتحول البرج إلى مختبر هندسي بقدر ما هو معلم عمراني.

ارتباط المشروع برؤية المملكة 2030

عند النظر إلى برج جدة بمعزل عن السياق العام، قد يبدو مشروع ضخم قائم على الاستعراض.

لكن وضعه ضمن إطار رؤية المملكة 2030 يجعله جزء من خطة أشمل تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد والمدينة والمجتمع.

فالمملكة تستثمر في مشاريع عملاقة تمتد من المدن المستقبلية إلى الوجهات السياحية والبنية التحتية، ويأتي هذا البرج كرمز عمودي لهذه التحولات، يستهدف جذب المستثمرين والزوار والكفاءات العالمية.

الاستدامة والجدل البيئي

لا يخلو المشروع من انتقادات تتعلق بالأثر البيئي، إذ إن بناء وتشغيل برج بهذا الحجم يفرض بصمة كربونية كبيرة.

وفي ظل التوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات، يثار الجدل حول مدى توافق هذه المشاريع مع مفاهيم الاستدامة.

في المقابل، يرى آخرون أن الإمكانات المالية والتقنية للمملكة تتيح لها تطوير حلول بيئية متقدمة يمكن أن تتحول لاحقا إلى نماذج قابلة للتطبيق في مشاريع أخرى داخل المنطقة وخارجها.

ما الذي يمثله برج جدة في النهاية؟

بالنسبة للبعض، يظل سباق الارتفاعات تعبير عن التنافس والهيبة. وبالنسبة لآخرين، هو امتداد لشغف الإنسان بتجاوز الحدود واستكشاف أقصى ما يمكن تحقيقه.

إذا اكتمل برج جدة وبلغ ارتفاعه المخطط، فلن يغير فقط ترتيب الأبراج العالمية، بل سيفتح نقاش أوسع حول أولويات التنمية الحضرية، ودور الرموز المعمارية في تشكيل هوية المدن.

المؤكد أن المملكة العربية السعودية لم تعد تكتفي بالمراقبة، بل اختارت أن تكون في قلب المشهد، مستخدمة الفولاذ والزجاج وطموح يمتد لكيلومتر كامل، لتطرح سؤال مفتوح عن المستقبل: إذا كان هذا ممكنًا، فما الخطوة التالية؟